أبي منصور الماتريدي
140
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فإن كانت الأنفال الغنائم ، فالسؤال يحتمل وجهين : يحتمل أنهم سألوا عن حلها وحرمتها ؛ لأن الغنائم كانت لا تحل في الابتداء . قيل : إنهم كانوا يغنمونها ويجمعونها « 1 » في موضع ، فجاءت نار فحرقتها « 2 » ، فسألوا عن حلها وحرمتها ، فقال : الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ، أي : الحكم فيها لله [ والرسول ] « 3 » يجعلها لمن يشاء . ويحتمل السؤال [ عنها : عن قسمتها ] « 4 » ، وهو ما روي في بعض القصة « 5 » أن الناس
--> - ثم أحل الله لنا الغنائم ، ثم رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا » . وبهذه الآية والأحاديث أخذت الغنائم في الإسلام حكم الحل ، ونزل فيها قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ . . . الآية ، بيانا لطريق قسمتها . والحكمة في حل الغنائم : أن المجاهدين لما خرجوا عن أموالهم وأولادهم ، وتركوا الاشتغال بأمور معاشهم رغبة في الجهاد في سبيل الله ، ونشر دينه وإعلاء كلمته ، وعرضوا أنفسهم لركوب الأخطار واستقبال الموت من أبوابه المختلفة - تفضل الله عليهم بإباحة الغنائم لهم ؛ تقوية لعزائمهم ، وحفزا لهممهم وتنشيطا لهم على الجهاد ، وكسرا لشوكة الكفار وإذلالا لهم ، بقتلهم ، وأسرهم ، وسلب ما يتمتعون به من نعم الله التي أغدقها عليهم ولم يقوموا بشكرها ، وإيذانا بأنهم ليسوا أهلا لها ، لعنادهم واستكبارهم عن عبادته . ينظر : المصباح المنير ( 2 / 666 ) ، لسان العرب م ( غ ن م ) ، الحاوي ( 8 / 386 ) ، الأحكام السلطانية للماوردي ص ( 126 ) ولأبي يعلى الفراء ص ( 136 ) . ( 1 ) في ب : يجمعون . ( 2 ) في ب : فتحرقها . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في ب : عن قسمتها . ( 5 ) روى سعيد بن منصور والإمام أحمد وابن المنذر وابن حبان والحاكم والبيهقي في السنن عن عبادة ابن الصامت - رضي الله عنه - : « فالتقى الناس فهزم الله تعالى العدو ، فانطلقت طائفة في آثارهم يأسرون ويقتلون ، وأكبت طائفة على الفيء يحوزونه ويجمعونه ، وأحدقت طائفة برسول الله صلى اللّه عليه وسلم خوفا من أن يصيب العدو منه غرة ، حتى إذا كان الليل وافى الناس بعضهم إلى بعض ، قال الذين جمعوا الغنائم : نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب ، وقال الذين خرجوا في طلب العدو : لستم بأحق بها منا ، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم ، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى اللّه عليه وسلم : لستم بأحق بها منا ، نحن أحدقنا برسول الله صلى اللّه عليه وسلم وخفنا أن يصيب العدو منه غرة ، فاشتغلنا به . فنزلت : يَسْئَلُونَكَ يا محمد عَنِ الْأَنْفالِ : الغنائم ، لمن هي ؟ قُلِ لهم : الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ يجعلانها حيث شاءا ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ أي حقيقة ما بينكم بالمودة وترك النزاع ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حقا » . وروى ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن حبان وعبد الرزاق في المصنف ، وعبد بن حميد ، وابن مردويه ، وابن عساكر ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما كان يوم بدر قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من قتل قتيلا فله كذا وكذا ، ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا » . ولفظ ابن عائذ : ( من قتل قتيلا فله سلبه ، ومن أسر أسيرا فله سلبه ) . فأما المشيخة فثبتوا تحت الرايات . وأما الشبان فسارعوا إلى القتل والغنائم ، فقال المشيخة للشبان : أشركونا معكم ، فإنا كنا لكم ردءا ولو كان منكم شيء للجأتم إلينا . فاختصموا إلي رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وجاء أبو اليسر بأسيرين فقال : يا رسول الله ، إنك -